القرطبي

186

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين ( 35 ) فيه أربع مسائل : الأولى - قوله تعالى : ( ثم بدا لهم ) أي ظهر للعزيز وأهل مشورته " من بعد أن رأوا الآيات " أي علامات براءة يوسف - من قد القميص من دبر ، وشهادة الشاهد ، وحز الأيدي ، وقلة صبرهن عن لقاء يوسف - أن يسجنوه كتمانا للقصة ألا تشيع في العامة ، وللحيلولة بينه وبينها . وقيل : هي البركات التي كانت تنفتح عليهم ما دام يوسف فيهم ، والأول أصح . قال مقاتل عن مجاهد عن ابن عباس في قول : " ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات " قال : القميص من الآيات ، وشهادة الشاهد من الآيات ، وقطع الأيدي من الآيات ، وإعظام النساء إياه من الآيات . وقيل : ألجأها الخجل من الناس ، والوجل من اليأس إلى أن رضيت بالحجاب مكان خوف الذهاب ، لتشتفي إذا منعت من نظره ، قال : وما صبابة مشتاق على أمل * من اللقاء كمشتاق بلا أمل أو كادته رجاء أن يمل حبسه فيبذل نفسه . قوله تعالى : ( ليسجننه ) " يسجننه " في موضع الفاعل ، أي ظهر لهم أن يسجنوه ، هذا قول سيبويه . قال المبرد : وهذا غلط ، لا يكون الفاعل جملة ، ولكن الفاعل ما دل عليه " بدا " وهو مصدر ، أي بدا لهم بداء ، فحذف لأن الفعل يدل عليه ، كما قال الشاعر : وحق لمن أبو موسى أبوه * يوفقه الذي نصب الجبالا أي وحق الحق ، فحذف . وقيل : المعنى ثم بدا لهم رأي لم يكونوا يعرفونه ، وحذف هذا لأن في الكلام دليلا عليه ، وحذف أيضا القول ، أي قالوا : ليسجننه ، واللام جواب ليمين مضمر ، قاله الفراء ، وهو فعل مذكر لا فعل مؤنث ، ولو كان فعلا مؤنثا لكان يسجنانه ،